وهبة الزحيلي
274
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يَعِدُهُمْ طول العمر وَيُمَنِّيهِمْ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء . وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً باطلا . مَحِيصاً مهربا ومخلصا ومعدلا بذلك . المناسبة : الآية الأولى متصلة بما قبلها في قصة طعمة الذي ارتد ، فإنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة اللّه ، فإن كل ذنب قابل للمغفرة إلا ذنب الشرك . قال العلماء عن آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [ النساء 4 / 115 ] وعن آية : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق ، لما حكم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالقطع ، وهرب إلى مكة وارتد . قال سعيد بن جبير : لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة ، فلحقه المشركون فقتلوه ؛ فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إلى قوله : فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً . وقال الضحاك : قدم نفر من قريش المدينة ، وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ، فنزلت هذه الآية : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ والمشاقة : المعاداة . والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره ، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين « 1 » . وأما الآيات التي بعدها فمناسبة لما قبلها ، ففي هذه الآيات عقد اللّه تعالى مقارنة بين جريمة الشرك وخطرها ، وأعمال الشيطان ولعنته وعقابه ، والإيمان والعمل الصالح وجزائهما ؛ لأن الشيطان يدعو إلى الشرك وعبادة الأوثان ، وفي مواجهة ذلك صرح الإيمان الراسخ الذي لا يتأثر أهله بنزعات الشياطين في أصل الاعتقاد ، وإن تأثروا أحيانا بها في بعض أعمال الشر ، وهذا تحذير وترغيب .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 5 / 385